١٠‏/٠٦‏/٢٠٢٦، ١٠:٢٦ ص

الرد الصاروخي الإيراني وانهيار حسابات تل أبيب

الرد الصاروخي الإيراني وانهيار حسابات تل أبيب

لم تكن الهجمات الصاروخية الأخيرة التي شنتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الأراضي المحتلة، ردًا على عدوان الكيان الصهيوني على الضواحي الجنوبية لبيروت، مجرد رد عسكري محدود؛ بل كانت هذه العملية في الواقع برهانًا عمليًا على معادلة جديدة في المنطقة.

وكالة مهر للأنباء: لم تكن الهجمات الصاروخية الأخيرة التي شنتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الأراضي المحتلة، ردًا على عدوان الكيان الصهيوني على الضواحي الجنوبية لبيروت، مجرد رد عسكري محدود؛ بل كانت هذه العملية في الواقع برهانًا عمليًا على معادلة جديدة في المنطقة، طرحها محور المقاومة والجمهورية الإسلامية الإيرانية في السنوات الأخيرة، ووصلت الآن إلى مرحلة التنفيذ. وتتضح أهمية هذا التطور أكثر عندما اضطرت حتى وسائل الإعلام والمحللون الصهاينة إلى الاعتراف بنتائجه الاستراتيجية.

ذكر رونين بيرغمان، المحلل السياسي العسكري في صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية، في تقييمه للتطورات الأخيرة، أنه خلال المواجهة الأخيرة، لم تكتفِ الولايات المتحدة بعدم دخول الحرب، بل منع دونالد ترامب إسرائيل من الرد، وفي النهاية، كانت إيران هي من وجهت الضربة القاضية. ويؤكد بيرغمان بنبرة غير مسبوقة: "كان للإيرانيين الكلمة الأخيرة، وليس لنا". وهو اعتراف يعكس، أكثر من أي شيء آخر، تغير موازين الردع في المنطقة. على مدى العقود الماضية، سعى الكيان الصهيوني إلى تقديم نفسه كطرف يمتلك زمام المبادرة العسكرية، وقادر على تحديد زمان ومكان ومستوى الصراع. استندت استراتيجية تل أبيب التقليدية إلى فرضية أن أعداء الكيان سيكونون دائمًا في موقف رد فعل، وسيرون أن تكلفة أي رد فعل باهظة للغاية بحيث لا يمكنهم الامتناع عن الرد. إلا أن الأحداث الأخيرة أظهرت أن هذه المعادلة لم تعد فعالة كما كانت.

بعد هجوم الكيان الصهيوني على الضواحي الجنوبية لبيروت، اعتقدت العديد من الأوساط الغربية والصهيونية أن إيران ستكتفي بإصدار تحذيرات سياسية ودبلوماسية، كما فعلت في السابق. بل زعمت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية أن طهران كانت مترددة في التدخل المباشر لاعتبارات إقليمية ودولية. إلا أن الرد الصاروخي الإيراني لم يُبدد هذه الحسابات فحسب، بل أظهر أيضًا أن تهديدات طهران المعلنة لم تكن مجرد دعاية.

الأهم من جوهر الهجوم هو الرسالة الاستراتيجية التي يحملها. أظهرت إيران أنه كلما تم انتهاك الخطوط الحمراء التي رسمتها، فهناك إمكانية للرد المباشر والصريح. وهذا يُثير قلق الكيان الصهيوني، لأن أحد أركان ردعه كان يتمثل في إثارة شكوك أعدائه حول نيتهم الرد. إلا أن هذا الشك قد تحول الآن إلى حقيقة لا ينكرها حتى المحللون الإسرائيليون. ومن النقاط المهمة الأخرى مسألة التحكم في توقيت انتهاء الصراع. يذكر بيرغمان في تقريره أن إيران هي من حددت موعد توقف الهجمات وعدد الصواريخ التي ستُطلق. قد يبدو هذا الكلام بسيطًا ظاهريًا، ولكنه في الواقع يُمثل تحولًا جوهريًا في المعادلات الإقليمية. ففي أي أزمة عسكرية، يتمتع الطرف القادر على التحكم في توقيت بدء الصراع ونهايته بموقع استراتيجي متفوق. في الماضي، حاولت إسرائيل لعب هذا الدور، ولكن في المواجهة الأخيرة، يعتقد العديد من المراقبين أن طهران هي من حددت إطار الصراع.

من جهة أخرى، ينبغي تحليل العملية الأخيرة في إطار استراتيجية "وحدة الميادين". وقد أصبحت هذه الاستراتيجية أحد المفاهيم الأساسية في أدبيات محور المقاومة خلال السنوات الأخيرة. ووفقًا لهذا النهج، فإن أي عدوان على أحد أطراف محور المقاومة قد يؤدي إلى رد فعل من الأطراف الأخرى. وكان هجوم النظام الإسرائيلي على الضواحي الجنوبية لبيروت بمثابة اختبار لهذه الاستراتيجية، وهو اختبار، بحسب العديد من المحللين، كان ناجحًا.

رسالة هذا التطور لتل أبيب واضحة: لم يعد بإمكان الكيان الإسرائيلي ضمان أن هجماته على الجهات الفاعلة الإقليمية ستمر دون عواقب. فإذا كان يُعتقد سابقًا أن جغرافية لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة منفصلة عن بعضها، فإن هذه الحدود الآن متداخلة إلى حد كبير ضمن إطار المعادلة الجديدة. ولهذا السبب، فإن أي عمل إسرائيلي ضد أحد مكونات محور المقاومة قد تكون له تداعيات تتجاوز نطاق الصراع المحلي.

وفي الوقت نفسه، يُعد دور الولايات المتحدة في هذه التطورات بالغ الأهمية. خلافًا لتوقعات بعض الأوساط الإسرائيلية، لم تُبدِ واشنطن أي رغبة في توسيع نطاق الحرب. وتشير التقارير المنشورة في وسائل الإعلام الصهيونية إلى أن إدارة ترامب تُعنى أكثر من أي شيء آخر بتجنب جرّ المنطقة إلى حرب شاملة. فمثل هذه الحرب لا تُهدد مصالح الولايات المتحدة في غرب آسيا فحسب، بل تُكبّد واشنطن أيضًا خسائر سياسية واقتصادية فادحة.

وتحمل هذه القضية رسالة أخرى مهمة لإسرائيل، وهي أن الدعم الأمريكي في المواقف الحرجة قد يكون محدودًا أكثر مما يتوقعه القادة الصهاينة. ونتيجةً لذلك، تُضطر تل أبيب إلى مراعاة الواقع الجديد للمنطقة في حساباتها الأمنية، حيث تُظهر الحقائق أن تكلفة العمل العسكري ضد محور المقاومة قد ارتفعت بشكل ملحوظ مقارنةً بالماضي.

إلى جانب كل ذلك، سلطت العمليات الإيرانية الأخيرة الضوء مجددًا على قدرات إيران الصاروخية. فعلى مدار السنوات الماضية، كان برنامج إيران الصاروخي هدفًا للضغوط السياسية والإعلامية الغربية. مع ذلك، أظهرت التطورات الأخيرة أن هذه القدرات ليست مجرد أدوات رمزية، بل تُشكل جزءًا من بنية الردع لدى البلاد. فالقدرة على شنّ هجمات دقيقة ومُدارة، حتى في ظل حالة التأهب القصوى لدى الطرف الآخر، تُشير إلى مستوى عالٍ من الجاهزية العملياتية والتنسيق العسكري.

في نهاية المطاف، يُمكن استنتاج أن التطورات الأخيرة تُشير إلى نشوء معادلة جديدة في المنطقة، معادلة لا تملك فيها الجمهورية الإسلامية الإيرانية الإرادة للرد على التهديدات فحسب، بل قادرة أيضًا على التأثير في إطار وقواعد المواجهة. إن اعتراف وسائل الإعلام والمحللين الصهاينة بهذه الحقيقة، أكثر من أي شيء آخر، يُشير إلى تغيير طرأ على ميزان القوى الإقليمي.

لعلّ أهم نتائج العملية الأخيرة هو أن مفهوم الردع لم يعد حكرًا على الكيان الصهيوني. فقد أظهرت إيران أنها قادرة، عند الضرورة، على تحويل تهديداتها إلى أفعال، مع إدارة مستوى الرد وتوقيته. ولهذا السبب، يُطرح اليوم، حتى في وسائل الإعلام الإسرائيلية، صراحةً أن إيران هي صاحبة الكلمة الفصل في هذه الجولة من المواجهة.

رمز الخبر 1971473

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha